محمد بن راشد : الآداب والفنون مكوّن مهم في حياة الشعوب وحضارات الأمم في كل العصور
تقرير: الهجوم على مقر بوتين يُربك الحسابات السياسية والعسكرية
أعاد الهجوم بالطائرات المسيّرة على أحد أكثر مقار الرئيس الروسي تحصيناً خلط الأوراق السياسية والعسكرية في ملف الحرب الأوكرانية.
فالهجوم، الذي استهدف مقر إقامة فلاديمير بوتين في مقاطعة نوفغورود، لا يقف عند حدود الاستهداف الأمني، بل يتجاوزها إلى التشكيك في جدوى أي ضمانات أمنية أمريكية محتملة لأوكرانيا، وفي حكمة نشر جنود أمريكيين على أرض نزاع، لم يُحسم بعد.
وفي هذا الإطار، قال ستيفن براين، مسؤول أمريكي سابق، شغل منصب نائب وكيل وزارة الدفاع الأمريكية، ويعمل مراسلاً خاصاً لموقع «آسيا تايمز»، في تحليل له، إن مقر بوتين، المعروف باسم «دولغييه بورودي» ويُشار إليه أيضاً بـ»فالداي» و»أوجين»، تعرّض لهجوم بموجات من الطائرات المسيّرة في 29 ديسمبر -كانون الأول.
وأضاف الكاتب أن الواقعة أُعلن عنها رسمياً على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وأكدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أُبلغ بالحادثة مباشرة من بوتين خلال اتصال هاتفي.
وتابع أن وزارة الدفاع الروسية أصدرت لاحقاً تقريراً مفصلاً، عقب إفادات أولية قدّمها نائب في مجلس الدوما.
نفي أوكراني
وأدلة مضادة
وأوضح أن أوكرانيا سارعت إلى نفي وقوع الهجوم من الأساس، وهو موقف تبنّته قطاعات واسعة من الإعلام الغربي. غير أن الكاتب أشار إلى أن أدلة ميدانية بدأت تظهر، تعزز الرواية الروسية، مستندة إلى بيانات رسمية وتفاصيل نشرتها قنوات إعلامية مقربة من الدولة الروسية.
وأضاف أن الطائرات المسيّرة جرى اعتراضها في عدة مواقع داخل مقاطعة نوفغورود، من بينها محيط بحيرة فالداي قرب مقر الإقامة، ومنطقة ياششيروفو غرب المقر، ومنطقة روشينو حيث عُثر على حطام، إضافة إلى بلدة فالداي.
وتابع أن موسكو نشرت خريطة لمسارات الطيران ونقاط الاعتراض، في خطوة تهدف إلى توثيق الهجوم.
طائرات بعيدة المدى وقدرات متطورة
وقال الكاتب إن الطائرة الرئيسة المستخدمة في الهجوم، بحسب الجانب الروسي، هي المسيّرة الأوكرانية UJ-26 المعروفة باسم بيفر(Bober)، وهي ذخيرة جوّالة دخلت الخدمة عام 2023، وبدأ إنتاجها على نطاق واسع.
وأضاف أن مداها يصل إلى نحو ألف كيلومتر، وتحمل شحنة متفجرة تزن قرابة 20 كيلوغراماً، وقد استُخدمت سابقاً في هجمات طالت موسكو وأهدافاً أخرى داخل روسيا.
وتابع الكاتب أن الروس أعلنوا كذلك العثور على مسيّرة معدلة من طراز «تشاكلون» بعيدة المدى، تعمل بمحرك صيني الصنع، سبق استخدامه في هجوم على مصنع طيران في سمولينسك مطلع عام 2025.
تحصينات كثيفة حول مقر بوتين
وأوضح أن مقر «دولغييه بورودي» يُعد منشأة عالية التحصين، تحيط بها منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، من بينها نسخ محسّنة من منظومة «بانتسير S1» المخصصة لمكافحة المسيّرات، إضافة إلى وجود منظومة دفاع جوي بعيدة المدى من طراز S-400.
وأضاف أن المنطقة مغطاة كذلك بأنظمة حرب إلكترونية كثيفة، تشمل أجهزة تشويش وخداع تهدف إلى تعطيل إشارات الملاحة والاتصال.
ستارلينك في قلب المعركة
وأشار الكاتب إلى احتمال أن تكون المسيّرات الأوكرانية قد استخدمت محطات اتصال مصغرة من نظام Starlink، أو اعتمدت على «مسيّرة أم» مرتبطة به، لافتاً إلى أن هذا النظام يصعب التشويش عليه. وأضاف أن الروس أنفسهم يستخدمون نسخاً مصغرة من ستارلينك حصلوا عليها عبر السوق السوداء.
وتابع أن مكان وجود بوتين أثناء الهجوم ما يزال غير معلوم، وسط ترجيحات بأنه كان في موسكو، وتجنب التوجه إلى مقر نوفغورود، بسبب مخاوف من هجمات جوية أو صاروخية محتملة.
وأوضح أن توقيت الحادثة يثير تساؤلات إضافية، خاصة مع وصول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى مارالاغو في تلك الفترة، في إطار مساعيه للحصول على ضمانات أمنية أميركية.
ونقل الكاتب رأي محللين، من بينهم لاري جونسون، الذين رجّحوا أن يكون الهجوم عملية استخباراتية غير مصرح بها، وربما بتشجيع بريطاني، في ظل حديث عن دعم استخباراتي بريطاني لبدائل سياسية محتملة في كييف.
ضمانات أمنية
أم «ناتو مصغّر»؟
وأضاف أن لقاء ترامب وزيلينسكي تناول، بحسب تصريحات الأخير، فكرة ضمانات أمنية أميركية تمتد 15 عاماً، وقد تشمل وجود قوات أمريكية في أوكرانيا ضمن ما سُمّي «تحالف الراغبين».
وأوضح أن هذا السيناريو قد يؤدي عملياً إلى إنشاء «ناتو مصغّر» بلا حق نقض، ما يجعل تقديم ضمانات أمنية، وفق الكاتب أخطر حتى من انضمام أوكرانيا الرسمي إلى حلف شمال الأطلسي.
استفزاز يهدد
مسار التسوية
وخلص الكاتب إلى أن الهجوم على مقر بوتين، سواء جرى بعلم القيادة الأوكرانية أم لا، يمثل استفزازاً استراتيجياً بالغ الخطورة.
فهو لا يهدد فرص التســـوية فحسب، بل يضع علامات استفهام كبرى حول منطق منح الولايات المتحدة ضمانات أمنية لدولة تخوض حربـــاً مفتوحة، وحول جدوى نشر جنود أميركيين في ساحة صراع مرشحة لمزيد من التصعيد.