رئيس الدولة والرئيس التركي: حل الدولتين السبيل لتحقيق استقرار المنطقة وأمنها
فاراج يضغط على اليسار.. هل تصمد قيادة ستارمر أمام التحولات الانتخابية؟
بعد أقل من 6 أشهر على توليه رئاسة الوزراء إثر فوز كاسح لحزب العمال في انتخابات تموز- يوليو 2024، يجد كير ستارمر نفسه في واحدة من أسرع وأعمق الأزمات الشعبية التي يواجهها رئيس وزراء بريطاني منذ بدء قياس استطلاعات الرأي الحديثة في سبعينيات القرن الماضي.
فالرجل الذي قاد حزبه إلى انتصار تاريخي بـ411 مقعدًا برلمانيًا، بات اليوم يواجه احتمالًا واقعيًا لخسارة منصبه قبل نهاية عام 2026، في مشهد يعكس هشاشة التحالف الانتخابي الذي أوصله إلى السلطة وصعود الشعبوية بقيادة نايجل فاراج.
وتكشف استطلاعات الرأي الأخيرة صورة قاتمة لحكومة حزب العمال، فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» في كانون الأول- ديسمبر 2025، تراجعت شعبية الحزب إلى 18% فقط، بعد أن كانت 35% في الانتخابات العامة. في المقابل، تصدّر حزب إصلاح المملكة المتحدة بقيادة فاراج المشهد بنسبة 27%، متقدمًا على حزب العمال والمحافظين معًا.
وتصف مؤسسة «إبسوس» هذا الوضع بأنه غير مسبوق، حيث وصل معدل الرضا الشخصي عن ستارمر إلى 66 نقطة، وهو أسوأ رقم يُسجَّل لأي رئيس وزراء بريطاني.
كما أظهر استطلاع آخر للمؤسسة نفسها أن 79% من البريطانيين غير راضين عن أدائه، مقابل 13% فقط يؤيدونه. الأخطر من ذلك أن أكثر من نصف ناخبي حزب العمال في 2024 باتوا ينظرون إليه اليوم نظرة سلبية، ما يشير إلى تفكك سريع في قاعدته الانتخابية، وتسرب أصوات نحو حزب الخضر يسارًا وحزب فاراج يمينًا.
فاراج.. من الهامش إلى الصدارة
يعيش نايجل فاراج واحدة من أقوى لحظاته السياسية، فحزبه، الذي لم يحصد سوى خمسة مقاعد في انتخابات 2024، بات يتصدر مئات استطلاعات الرأي منذ ربيع 2025، وأصبح في نهاية العام نفسه أكبر حزب بريطاني من حيث عدد الأعضاء، متجاوزًا حزب العمال.
ولا يكتفي فاراج بتقدم الاستطلاعات، إذ يستعد لإنفاق نحو 5 ملايين جنيه إسترليني على حملة واسعة استعدادًا لانتخابات المجالس المحلية في أيار- مايو 2026. وفي تصريح لصحيفة «التايمز» البريطانية، وصف تلك الانتخابات بأنها «المعركة الحاسمة» قبل الانتخابات العامة، مؤكدًا أن النجاح فيها سيفتح الطريق إلى «داونينغ ستريت».
وتشير استطلاعات «إبسوس» إلى أن فاراج يتقدم للمرة الأولى على ستارمر في سؤال «من تفضله رئيسًا للوزراء؟»، بنسبة 33% مقابل 30%. ويأتي هذا رغم الانتقادات الإعلامية المتواصلة لماضيه المثير للجدل، وهي انتقادات يرى فاراج أنها تعزز دعم قاعدته بدلًا من إضعافها.
غياب الخطة المضادة
في مقال لاذع بصحيفة «الغارديان» البريطانية، حذّر السير كريس باول، الخبير الإعلامي الذي قاد حملة توني بلير عام 1997، من أن حكومة ستارمر تفتقر إلى أي خطة واضحة لمواجهة صعود حزب فاراج، معتبرًا أن الاكتفاء بالأمل في انهيار حزب إصلاح المملكة المتحدة هو «انتحار سياسي محتمل».
ويرى باول أن نشاط حزب العمال الإعلامي ضعيف مقارنة بمنافسيه، وأن الخطاب السائد حول الحكومة يركز على إخفاقاتها أكثر من تقديم رؤية مقنعة للناخبين. بدوره، يذهب الكاتب باتريك ماجواير من صحيفة «التايمز» إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في ضعف ستارمر، بل في غياب بديل واضح قادر على توحيد الحزب.
سيناريو الكارثة الانتخابية
تحليل للبروفيسور أدريان بومونت، المحلل الانتخابي لموقع «ذا كونفرسيشن»، يشير إلى أن إجراء انتخابات عامة اليوم قد يمنح حزب فاراج أغلبية برلمانية بنحو 330 مقعدًا، مقابل تراجع حزب العمال إلى أقل من 100 مقعد. ويحذر محللون من سيناريو شبيه بانهيار المحافظين الكنديين عام 1993، حين سقط حزب حاكم تاريخي سقوطًا مدويًا.
البروفيسور سايمون غريفيثس من كلية لندن للاقتصاد يرى أن استراتيجية ستارمر نجحت في الوصول إلى السلطة، لكنها فشلت في الحفاظ على الدعم، مشددًا على ضرورة الانتقال من «سياسة الفوز» إلى «سياسة الحكم».
مايو 2026.. لحظة الحسم
يتفق المراقبون على أن انتخابات أيار- مايو 2026 المحلية والإقليمية ستكون مفصلية. ففي اسكتلندا وويلز، تشير الاستطلاعات إلى تراجع حاد لحزب العمال، وصعود قوى قومية وشعبوية. أما في إنجلترا، فتتوقع مراكز بحثية «هزيمة ثقيلة» قد تشعل تمردًا داخليًا ضد ستارمر.
وتكشف ناتاشا كلارك، المحررة السياسية في إذاعة «إل بي سي»، أن الحديث داخل وستمنستر لم يعد عن «ما إذا» كان ستارمر سيواجه تحديًا قياديًا، بل «متى» سيحدث ذلك.
ضغوط اقتصادية وتمرد داخلي
تفاقم الأزمة السياسية ضغوط اقتصادية واضحة. فبحسب تحليل نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية، انخفض الدخل المتاح للأسر الأفقر، بينما ارتفع إنفاق الأسر الأكثر ثراءً.
وفي ظل زيادات ضريبية بقيمة 26 مليار جنيه إسترليني، وتراجع القدرة الشرائية، يزداد السخط الشعبي.
داخليًا، يواجه ستارمر تمردات متكررة من نوابه، الذين أجبروا الحكومة على التراجع عن سياسات رفاهية حساسة، ما أضعف هيبة القيادة وأظهر هشاشتها.
فكل المؤشرات تدل على أن عام 2026 سيكون حاسمًا لمستقبل كير ستارمر. صعود نايجل فاراج ليس موجة عابرة، بل تعبير عن تحول عميق في السياسة البريطانية.
والسؤال لم يعد ما إذا كان حزب العمال في أزمة، بل ما إذا كان ستارمر قادرًا على النجاة منها قبل أن تطيح به صناديق الاقتراع أو تمرد من داخل حزبه.