تَوَلي دولسي رودريغيز السلطة بعد اختطاف مادورو تغييرٌ في القيادة و ليس في النظام :

غموضٌ يُثيرُ شكوكا حول مستقبل فنزويلا ...


باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، نفذت الولايات المتحدة عملية غير مسبوقة تهدف بالدرجة الأولى، كما يقولون، إلى تقديم الزعيم الفنزويلي السابق، المطلوب من قبل القضاء الأمريكي، إلى العدالة. لكن هذا التدخل لا يحل مشكلة مستقبل بلد هش يعاني من أزمة منذ نحو خمسة عشر عاماً.
أثارت العملية العسكرية الأمريكية السريعة والحاسمة في فنزويلا، التي نُفذت بين ليلتي الجمعة والسبت، العديد من التساؤلات بعد مرور 48 ساعة على وقوعها. الأمر المؤكد الوحيد في هذه المرحلة هو أن الرئيس السابق نيكولاس مادورو، الذي وُجهت إليه تهم في عام 2020 من قبل النظام القضائي الفيدرالي الأمريكي وسُجن في نيويورك، سيُحاكم بتهمة «الإرهاب المرتبط بالمخدرات» وتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة. 

من يتولى السلطة الآن في كاراكاس؟ 
الرئيسة المؤقتة الجديدة لفنزويلا هي ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس السابق نيكولاس مادورو، والتي عُهد إليها بهذه المسؤولية يوم السبت 3 يناير-كانون الثاني من قبل المحكمة العليا، التي أعلنت «اختطاف الرئيس الدستوري» خلال «عدوان عسكري أجنبي».
 مع ذلك، لم تُعلن المحكمة عجز نيكولاس مادورو الدائم، الأمر الذي كان سيؤدي إلى انتخابات رئاسية مبكرة في غضون 30 يومًا. 

يوم الأحد، اعترف الجيش رسميًا بسلطة رئيسته الجديدة. هذا إذن تغيير في القيادة، وليس في النظام: فديلسي رودريغيز، ابنة ناشط ثوري، البالغة من العمر 56 عامًا، منخرطة منذ فترة طويلة في نظام شافيز. وقد شغلت مناصب وزارية عديدة منذ عام 2003.  
وأعلنت يوم السبت 3 يناير-كانون الثاني أن نيكولاس مادورو هو «الرئيس الوحيد للبلاد»، مطالبةً بـ»الإفراج الفوري عنه».

كيف تنوي الولايات
 المتحدة «حكم» البلاد؟
خلال مؤتمره الصحفي يوم السبت في مارا لاغو، فلوريدا، صرّح دونالد ترامب مرارًا وتكرارًا بأن الولايات المتحدة ستقود فنزويلا إلى حين حدوث انتقال سياسي «آمن». ومع ذلك، لم تُقدّم أي تفاصيل بشأن آليات هذه القيادة، مما أثار قدرًا من عدم التصديق. أُحيل السؤال إلى ماركو روبيو، وزير خارجيته. وأعلن الرئيس الأمريكي أن ديلسي رودريغيز، على اتصال مع واشنطن، مستعدة «لفعل كل ما نراه ضروريًا». ولا تزال كاراكاس أيضًا تحت تهديد الأسطول البحري الأمريكي المنتشر في البحر الكاريبي، والذي قد يتدخل مجددًا. ومع ذلك، يُثير هذا الغموض شكوكًا كبيرة حول مستقبل الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية. فحتى لو كانت ديلسي رودريغيز قد غيّرت موقفها بالفعل، فسيتعين عليها كسب تأييد دولة بأكملها، دولة خاضعة لحكم شافيز لأكثر من ربع قرن. كما سيتعين عليها التعامل مع الهياكل الموازية التي تخدم الشافيزية، بدءًا من جماعات الكوليكتيفوس. لطالما سيطرت هذه الجماعات المسلحة على «الثورة البوليفارية» في الأحياء. وبحسب عدة روايات، فقد خرجوا يوم السبت إلى شوارع العاصمة، بعد القبض على نيكولاس مادورو، لتطويق عدة مناطق.  

ما هي مصلحة دونالد
 ترامب في هذا الأمر؟
بالنسبة للرئيس الأمريكي، تُعدّ العملية نجاحًا واضحًا. فعلى مدى عدة أشهر، هدد دونالد ترامب نيكولاس مادورو، المطلوب في الولايات المتحدة، بعواقب وخيمة إذا رفض التنحي عن السلطة. وقد تحقق ذلك الآن: سيُحاسب الرئيس السابق على الضرر الذي يُزعم أنه ألحقه بالشعب الأمريكي بالسماح بوصول شحنات المخدرات. ولكن هل تتوافق هذه العملية مع فلسفة الرئيس ماغا «أمريكا أولًا»؟ لطالما عارض دونالد ترامب التدخلات العسكرية الأمريكية في الخارج، بدءًا من «كارثة» جورج دبليو بوش في العراق. ويرى أن على أمريكا أن تهتم بمصالح مواطنيها، لا أن تُكرّس موارد بشرية أو مالية للدفاع عن القيم الأمريكية، أو حتى الديمقراطية. علاوة على ذلك، لم يستخدم ساكن البيت الأبيض مصطلح «عملية عسكرية» يوم السبت، بل ركّز على وصفها بأنها عملٌ يصبّ في مصلحة الأمريكيين. ووفقًا له، ستُزعزع هذه العملية استقرار تجارة المخدرات، وستعود بالنفع على الولايات المتحدة - بفضل عائدات النفط - مع إعادة تأكيد النفوذ الأمريكي في العالم، وبالأخص في المنطقة.

ما هو دور النفط 
في هذه الأزمة؟ 
على الرغم من أن دونالد ترامب لم يستخدم كلمة «ديمقراطية» يوم السبت، إلا أنه أشار مرارًا وتكرارًا إلى النفط الفنزويلي. تمتلك هذه الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية بالفعل أكبر احتياطيات نفطية في العالم. صحيح أن بنيتها التحتية الإنتاجية تعاني حاليًا من حالة متردية للغاية بسبب نقص الاستثمار.
 كانت فنزويلا، التي شاركت في تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) عام 1960، لاعبًا رئيسيًا في السوق العالمية، لكنها تنتج الآن أقل من مليون برميل يوميًا، مقارنةً بثلاثة ملايين برميل قبل عشرين عامًا. لذا، يمكن تصور عقود مستقبلية مع الشركات الأمريكية بمجرد رفع العقوبات الأمريكية عن فنزويلا. علاوة على ذلك، يعتقد البيت الأبيض أن المصالح الأمريكية استُغلت، أولًا عام 1976 بتأميم النفط في فنزويلا وإنشاء شركة النفط الحكومية في عهد شافيز. هذا الرأي محل جدل كبير، إذ أسفرت هذه العمليات عن تسويات مالية وأحكام قضائية.
 ما هو دور المعارضة إذًا؟ 
كان من أبرز المفاجآت خلال المؤتمر الصحفي لدونالد ترامب المعاملة التي خصصها لماريا كورينا ماتشادو، «المرأة الحديدية» الفنزويلية، الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025، والشخصية البارزة في المعارضة. 
فقد فازت في الانتخابات التمهيدية للمعارضة عام 2023 بأكثر من 90% من الأصوات، استعدادًا للانتخابات الرئاسية المقررة في 28 يوليو-تموز 2024.
 وكان النظام قد منع مشاركتها. وصرح دونالد ترامب قائلاً: «إنها لا تحظى لا بالدعم ولا بالاحترام في بلدها»، محطمًا بذلك آمالًا كثيرة، سواء في فنزويلا أو في المنفى. في هذه المرحلة، يسود تفسيران.
 يشير التفسير الأول إلى أن ماريا كورينا ماتشادو تتريث، وتستعد لتولي السلطة لاحقًا، بعد «فترة انتقالية» غامضة وغير مؤكدة من شأنها أن تؤدي إلى تغيير حقيقي في النظام.
 أما التفسير الثاني فيشير إلى أن دونالد ترامب، الرافض للالتزام بعملية تغيير جذري في كاراكاس، يكتفي بحكومة خالية من نيكولاس مادورو من أجل تأمين عقود النفط. 
وهذان التفسيران ليسا متنافيين.