رئيس الدولة يهنيء المسيحيين الأرثوذكس في الإمارات والعالم بعيد الميلاد المجيد
الدبلوماسية المفقودة.. لماذا فشل العالم في منع اعتقال مادورو؟
بينما كانت طائرات الهليكوبتر الأمريكية تحلق فوق القصر الرئاسي في كاراكاس، فجر السبت الماضي، لاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، كان واضحًا أن المجتمع الدولي قد فشل فشلًا ذريعًا في منع أزمة كانت تتفاقم على مدى أشهر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا فشلت الدبلوماسية؟ وأين كانت المؤسسات الدولية؟ لمنع هذا الهجوم الذي لقي تنديدًا من جانب دول كثر وترحيب من أخرى في الوقت نفسه.
قبل سنوات
قال الخبير في مجلس الأطلسي نزار الفقيه، بوضوح صادم: «التعددية فشلت في فنزويلا، لكنها فشلت قبل وقت طويل من اليوم». وأضاف أن هذا الفشل «الصارخ والواضح والذي لا يمكن إنكاره» يُقاس بملايين المنفيين الذين يعيشون الآن في ظروف غير مستقرة عبر عشرات الدول، في إحدى أكبر حالات النزوح القسري في العالم دون حرب تقليدية. الواقع المرير أن الدبلوماسية والمؤسسات متعددة الأطراف ثبت عجزها عن تحقيق أي عملية تفاوض فعالة تؤدي إلى انتقال منظم وسلمي ومتفاوض عليه للسلطة في فنزويلا، رغم التحذيرات المبكرة والأزمة الإنسانية المتفاقمة.
تحقيق بلا نتائج
ربما لا يوجد مثال أوضح على فشل المؤسسات الدولية من المحكمة الجنائية الدولية. فرغم فتحها تحقيقًا منذ عام 2021، لم تصدر المحكمة حتى الآن اتهامًا واحدًا ضد مسؤولي نظام مادورو، وذلك رغم التوثيق الواسع لجرائم ضد الإنسانية من قبل بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في فنزويلا، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، ومئات الضحايا الذين قدموا شهادات مفصلة عن جهاز قمع متطور ومنهجي على مستوى البلاد.
هذا التأخير الطويل والإخفاق في محاسبة المسؤولين أرسل رسالة واضحة إلى مادورو: المجتمع الدولي غير قادر أو غير راغب في التحرك، وهو ما شجعه على المضي قدمًا في سياساته القمعية دون خوف من عواقب دولية حقيقية.
تجارب دبلوماسية فاشلة
يوثق تقرير الكونغرس الأمريكي سلسلة من الإخفاقات الدبلوماسية المتعاقبة. فمن يناير/كانون الثاني عام 2019 حتى ديسمبر-كانون الأول عام 2022، دعمت الجمعية الوطنية المنتخبة عام 2015 حكومة مؤقتة بقيادة رئيسها السابق خوان غوايدو. تلقت حكومة غوايدو اعترافًا أمريكيًّا ودوليًّا، لكنها لم تمارس أي سلطة فعلية داخل فنزويلا على الإطلاق.
جربت إدارة ترامب الأولى إستراتيجية «الضغط الأقصى» عبر العقوبات لإجبار مادورو على التنحي، ولكن دون جدوى. ثم قدمت إدارة جو بايدن تخفيفًا محدودًا للعقوبات لتحفيز مادورو على إجراء انتخابات أكثر نزاهة في 2024، وفقًا لاتفاق وقعه مع المعارضة. لكن مسؤولي مادورو فشلوا في الالتزام بالاتفاق.
يصف البروفيسور دوغلاس فارح، الذي عمل مستشارًا للبنتاغون، الموقف قائلًا: «الاستنتاج من كل سيناريو كان أنه ما لم يكن هناك نوع من الانتقال المُدار من النظام إلى نظام ديمقراطي، فسيكون هناك فوضى مطلقة». وهذا ما حدث بالضبط: غياب أي خطة انتقالية متفق عليها دوليًّا فتح الباب للتدخل العسكري.
عامل الشلل
لم تكن أمريكا اللاتينية موحدة قط في مواجهة الأزمة الفنزويلية، وهو ما أضعف أي محاولة لممارسة ضغط دبلوماسي فعال. فبينما رحبت الأرجنتين وباراغواي بالعملية العسكرية الأمريكية معتبرة نظام مادورو غير شرعي، حذرت دول مثل المكسيك وكولومبيا والبرازيل من التصعيد العسكري.
أعرب الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا عن موقف قوي قائلًا: «القصف على الأراضي الفنزويلية والقبض على رئيسها يتجاوزان خطاً غير مقبول»، مضيفاً أن هذه الأعمال تمثل «انتهاكاً صارخاً» للقانون الدولي وتذكّر بـ»أسوأ لحظات التدخل في سياسات أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي».
هذا الانقسام الحاد حال دون تشكيل جبهة إقليمية موحدة قادرة على الضغط على الولايات المتحدة لوقف التصعيد، أو على مادورو للاستجابة للمطالب الديمقراطية.
تحذيرات بلا قوة تنفيذية
رغم أن مجلس الأمن الدولي عقد جلسة طارئة في 23 ديسمبر-كانون الأول عام 2025، فإن الجلسة كشفت عن عجز المؤسسة الأممية عن فعل أي شيء ملموس. قال خالد خياري، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، إن الضربات الجوية الأمريكية على القوارب في البحر الكاريبي والمحيط الهادي «تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان»، لكن لم يتبع ذلك أي إجراء عقابي أو آلية لوقف التصعيد.
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «انزعاجه العميق» من الإجراءات الأمريكية التي تشكل «سابقة خطيرة»، لكن تصريحاته لم تترجم إلى ضغط دبلوماسي فعال قادر على تغيير مسار الأحداث. فالمجلس كان منقسماً بشكل حاد بين روسيا والصين اللتين أدانتا العملية، والولايات المتحدة المدعومة من حلفائها.
انهيار النظام
القانوني الدولي
يصف النائب الألماني رودريش كيسيويتر الموقف بدقة: «مع الرئيس ترامب، تتخلى الولايات المتحدة عن النظام القائم على القواعد الذي شكلنا منذ عام 1945. الانقلاب في فنزويلا يمثل عودة إلى العقيدة الأمريكية القديمة ما قبل 1940: عقلية التفكير من حيث مناطق النفوذ، حيث يحكم قانون القوة، لا القانون الدولي».
البروفيسور مارك ويلر من تشاتام هاوس يؤكد هذا التحليل قائلاً: «القبض على الرئيس مادورو والهجمات على فنزويلا ليس لها مبرر في القانون الدولي». ويضيف أن هذه قد تكون اللحظة التي تدرك فيها أوروبا الغربية أن الولايات المتحدة تخلت عن القيم الأساسية التي وحدتهم خلال القرن الماضي.
دروس قاسية
الفشل في منع التدخل العسكري في فنزويلا يكشف عن أزمة عميقة في النظام الدبلوماسي العالمي. لقد فشلت المحكمة الجنائية الدولية في المحاسبة، وفشلت المفاوضات المتكررة في تحقيق أي تقدم، وفشلت المنطقة في الاتحاد، وفشلت الأمم المتحدة في فرض احترام القانون الدولي.
الأسوأ من ذلك، أن هذا الفشل المتراكم خلق فراغاً استغلته الولايات المتحدة لتبرير تدخل عسكري أحادي الجانب. وكما حذر مندوب المكسيك في الأمم المتحدة: «التاريخ يثبت أن التهديد أو استخدام القوة يؤدي حتماً إلى معاناة إنسانية أكبر وتآكل النظام القانوني الدولي».
السؤال الآن: هل سيتعلم المجتمع الدولي من هذا الفشل الكارثي؟ أو أن فنزويلا ستصبح نموذجاً جديداً لعالم تحكمه القوة العسكرية بدلاً من الدبلوماسية والقانون؟