لا يزال الأوروبيون عاجزين عن معارضة الولايات المتحدة و دفاعهم الوحيد التذكيرُ بمبادئ القانون الدولي:
أطماعُ ترامب في ضم غرينلاند تُثير ضجةً و قلقا كبيرين في أوروبا
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمال ضم غرينلاند، والتي كررها يوم الاثنين 5 يناير-كانون الثاني، قلقاً بالغاً لدى الأوروبيين. وألمحت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن إلى احتمال إنهاء حلف شمال الأطلسي على بلدها في حال شنّ الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً.
لماذا تطمع الولايات المتحدة في غرينلاند؟
أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الأحد 4 يناير-كانون الثاني، أن الولايات المتحدة «بحاجة ماسة» إلى غرينلاند، وأعلن نيته معالجة هذه القضية «في غضون شهرين». هذه المرة، وبعد الغارة الأمريكية على كاراكاس في تحدٍّ صارخ لجميع الاتفاقيات الدولية، ونشر عقيدة أمنية أمريكية تهدف إلى إبعاد جميع القوى الأجنبية عن القارة، يُؤخذ خطر الضم الأمريكي على محمل الجد. يُرجع ترامب ذلك إلى أسباب أمنية، إذ لا تزال غرينلاند أقصر مسار لصاروخ قادم من روسيا، أو حتى الصين، في حال استهدافه الولايات المتحدة. كما تقع غرينلاند على الممر الشمالي الغربي، وهو الطريق البحري إلى آسيا الذي ينفتح مع ذوبان الجليد.
وتحتوي باطن الجزيرة على احتياطيات كبيرة من النفط والغاز والجرافيت والليثيوم واليورانيوم.
إلا أن هذه الأسباب التي ساقها ترامب محل جدل كبير، إذ أن أمن غرينلاند مكفول بالفعل من قبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة، التي تحتفظ بقاعدة عسكرية هناك. أما بالنسبة للموارد المعدنية، فهي صعبة الاستخراج، وبالتالي غير مربحة. يوجد حاليًا منجم ذهب واحد ومنجم فلسبار واحد فقط يعملان في الجزيرة. ولعلّ أهم دوافع دونالد ترامب هو رغبته في ترك بصمته في التاريخ كرئيس وسّع أراضي الولايات المتحدة، على غرار أندرو جونسون الذي ضمّ ألاسكا عام 1867، والتي اشتراها من روسيا مقابل 7 ملايين دولار آنذاك.
هل يستطيع الأوروبيون معارضة الضم؟
بينما يكرر دونالد ترامب منذ أشهر رغبته في الاستيلاء على الجزيرة، التزم الاتحاد الأوروبي الصمت لفترة طويلة، مكتفيًا بتأكيد «تضامنه» مع الدنمارك. وفي يوم الثلاثاء 6 يناير-كانون الثاني، أصدر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بيانًا مشتركًا لدعم نظيرتهم الدنماركية ميتي فريدريكسن. غرينلاند جزء لا يتجزأ من مملكة الدنمارك، وقد رفضت كوبنهاغن بشكل قاطع وواضح أي ضم من جانب الولايات المتحدة. ومع ذلك، ظلّت نبرة البيان معتدلة إلى حد كبير. فقد أشار رؤساء الدول والحكومات إلى التزامهم بالأمن في القطب الشمالي، ودعوا إلى استمرار التعاون مع الولايات المتحدة. ويؤكد الأوروبيون على ضرورة أن يحترم هذا التعاون «ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».
ويصفون هذه المبادئ بأنها «أساسية» يعتزمون «الدفاع عنها بلا هوادة». في الواقع، لا يزال الأوروبيون عاجزين إلى حد كبير عن معارضة الولايات المتحدة. ودفاعهم الوحيد، حتى الآن، لم يكن الأمر سوى تذكير بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي، دون أن يُحدث أثراً يُذكر. ويجري حالياً بحث خطة لزيارة عدد من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إلى غرينلاند لإظهار دعمهم. كما تدرس فرنسا أيضاً افتتاح قنصلية في نوك، عاصمة غرينلاند.
في 21 ديسمبر، أعلن دونالد ترامب تعيين حاكم ولاية لويزيانا، الجمهوري جيف لاندري، مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة إلى غرينلاند، مُكلفًا بجعل الإقليم «جزءًا من الولايات المتحدة». ردًا على ذلك، استدعت الدنمارك السفير الأمريكي للمطالبة بتوضيح. منذ تولي دونالد ترامب منصبه، لم يزر نوك، عاصمة غرينلاند، سوى رئيس دولة أوروبي واحد: إيمانويل ماكرون، في 15 يونيو الماضي.
هل يُنذر عمل أمريكي
بنهاية حلف الناتو؟
يُذكّرنا البيان الأوروبي المشترك بأن «مملكة الدنمارك، بما فيها غرينلاند، عضو في حلف الناتو». ويؤكد الموقعون عليه أن «الأمن في القطب الشمالي يجب ضمانه بشكل جماعي، بالتعاون مع حلفاء الناتو، بمن فيهم الولايات المتحدة». وقد ذهبت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، إلى أبعد من ذلك بكثير يوم الاثنين 5 يناير-كانون الثاني، قائلةً: «إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة أخرى من دول الناتو عسكريًا، فستكون تلك نهاية كل شيء، بما في ذلك حلف الناتو، وبالتالي الأمن الذي أُرسِيَ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية». إن مثل هذا الهجوم سيُخالف بالفعل المادة الأولى من حلف شمال الأطلسي، التي تنص على أن كل عضو يتعهد بعدم استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي عضو آخر. وهذا سيضع الحلف في موقف لا يُحسد عليه، إذ سيُجبر الدنمارك على تفعيل المادة الخامسة. وتنص هذه المادة على أن أي هجوم على أحد أعضائه يُعتبر هجومًا على جميع الأعضاء، ويُفعّل الدفاع الجماعي عن الدولة المُهاجَمة. في هذه الحالة، لن تتردد الدنمارك في تفعيل المادة 5 ضد الولايات المتحدة، قائدة حلف شمال الأطلسي.
كيف يشارك الجيش
الفرنسي في أمن غرينلاند؟
تتناول استراتيجية الدفاع عن القطب الشمالي، التي اعتمدتها فرنسا في يوليو 2025 لمواجهة الطموحات المتزايدة للقوى الكبرى في هذه المنطقة من العالم، هذه المسألة. وتنص هذه الاستراتيجية، التي تقودها المديرية العامة للعلاقات الدولية والاستراتيجية على أن موقف فرنسا «داخل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي يستلزم تضامنًا استراتيجيًا واضحًا مع سبعة من الأعضاء الثمانية في مجلس القطب الشمالي، وقد يمتد ذلك إلى تنفيذ الدفاع الجماعي أو المشترك». ومن بين أعضاء مجلس القطب الشمالي المعنيين بهذا النص الدنمارك (وبالتالي غرينلاند). وتوضح الاستراتيجية: «لذلك، قد يُطلب من فرنسا دعم دولة حليفة أو المساهمة في الحفاظ على استقرار المنطقة، بما في ذلك من خلال نشر قواتها العسكرية». وانطلاقاً من هذا، تستعد القوات المسلحة الفرنسية للتدخل عبر تكثيف التدريبات والتجارب، مثل تلك التي أجرتها القوات الجوية والفضائية على نشر طائرات النقل العسكرية من طراز A400M أطلس في أقصى الشمال، لاختبار قدرتها على تحمل الظروف القاسية على مدارج بدائية جليدية ومغطاة بالثلوج. وتتولى مدرسة الجبال العالية العسكرية مسؤولية إعداد الجنود الفرنسيين للقتال والبقاء على قيد الحياة في هذه البيئات، حيث أوضح قائدها، العقيد غايتان دوبوا، في ديسمبر-كانون الأول، أن «العدو الرئيسي هو البرد، سواءً للأفراد أو المعدات». ومن بين هذه الوحدات لواء المشاة الجبلية السابع والعشرون وفوج المهندسين الجويين الخامس والعشرون.