من الأراضي إلى زابوريجيا.. المفاوضات تكشف تعقيدات الحرب الأوكرانية
لم يكن انعقاد الجولة الثالثة من المحادثات الأوكرانية الأمريكية في واشنطن الأربعاء، مجرد اجتماع عابر في خطة دبلوماسية مزدحمة، بالتزامن مع البحث عن ترويض القضايا الأكثر صلابة في النزاع الأوكراني.
فمع انعقاد الجولة الثالثة من المحادثات، التي عقدت على مدار الأيام الماضية، تبرز تساؤلات جدية حول جدوى هذا الزخم التفاوضي، في وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية وتتكدس الملفات الأكثر حساسية على الطاولة، من الأراضي المحتلة إلى محطة زابوريجيا النووية، وصولًا إلى الضمانات الأمنية.
ووصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه الجولة بأنها مخصصة لـ»القضايا الأصعب»، في اعتراف صريح بأن ما تبقى من ملفات هو الأكثر تعقيدًا وخطورة، ليس فقط على مسار الحرب، بل على مستقبل الدولة الأوكرانية نفسها.
فمن فلوريدا إلى برلين ثم باريس، بدت المحادثات وكأنها تتحرك أكثر مما تتقدم عموديًا، ففي اللقاء الأول أواخر ديسمبر-كانون الأول 2025، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حل 90 إلى 95% من بنود خطة سلام مقترحة من 20 نقطة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن «مسألة أو اثنتين شديدة التعقيد» لا تزالان عالقتين، وهما الأراضي ومحطة زابوريجيا.
الاجتماع الثاني في برلين الثلاثاء على هامش قمة «تحالف الراغبين»، الذي استمر أكثر من 5 ساعات، لم يخرج بنتائج معلنة، وأكد أن القضايا العالقة لم تعد تقنية أو إجرائية، بل وجودية تمس السيادة والخرائط والموارد الاستراتيجية.
وتتصدر مسألة الأراضي قائمة الملفات الأصعب، لا سيما في شرق أوكرانيا، حيث يشكل إقليم الدونباس جوهر النزاع، وأكد زيلينسكي وجود توافقات جزئية، وأقر بأن السيطرة على الأراضي الصناعية في الشرق ما زالت موضع خلاف حاد.
محطة زابوريجيا
وتتصدر محطة زابوريجيا أكثر الملفات حساسية، باعتبارها أكبر منشأة نووية في أوروبا، تسيطر عليها روسيا وتمثل شريانًا حيويًا للطاقة الأوكرانية، وتعتبر ورقة ضغط جيوسياسية بالغة الخطورة.
وأكد الرئيس زيلينسكي، أن المحطة كانت جزءًا من النقاشات، وذلك رغم نفيه التفاوض على ملكية البنية التحتية، وفي المقابل ترفض موسكو أي صيغة تمنح أطرافًا دولية، بما فيها الولايات المتحدة، حق الإشراف أو الإدارة.
ويأتي الملف الثالث في ظل هذا التعقيد، حيث تحاول أوروبا لعب دور الضامن البديل؛ فقد تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صراحة عن «إضفاء طابع قانوني» على التزامات تحالف الراغبين تجاه أوكرانيا، بما يشمل الاستعداد لنشر قوة متعددة الجنسيات بعد وقف إطلاق النار، وتعزيز الجيش الأوكراني تمويلًا وتسليحًا وتدريبًا.
الضمانات الأمنية
وفي خضم هذه التحركات، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خططًا لإنشاء قواعد عسكرية ومستودعات دعم داخل أوكرانيا في حال تحقق السلام.
وفق الوقت الذي حاول فيه المستشار الألماني فريدريش مرتس، الموازنة بين الدعم السياسي ورفض فكرة نشر قوات ألمانية، شدد أمين عام الناتو مارك روته على ضرورة وضوح الضمانات الأمنية، فيما أكدت رئيسة المفوضية الأووبية أورسولا فون دير لاين أن أي اتفاق يجب أن يمنح كييف ضمانات «صارمة منذ اليوم الأول».
وفي خضم هذه المفارقات، تتعرض أوكرانيا لموجات غير مسبوقة من الهجمات الروسية، خاصة وأن مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ استهدفت البنية التحتية للطاقة خلال الأسابيع الأخيرة، في رسالة واضحة بأن موسكو تفاوض من موقع القوة.
وأشارت التقارير الغربية إلى أن التقدم الروسي على بعض الجبهات يضغط على الموقف التفاوضي لكييف ويقلص هامش المناورة السياسية.
وأكد ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، أن استمرار الصراع عبثي وخطير على كييف، داعيًا أوكرانيا إلى اتخاذ قرار التفاوض.
وفي ظل هذه التحركات الأوكرانية الأوروبية الأمريكية، تبدو محادثات يناير-كانون الثاني 2026 أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو مرجح، يتمثل في المزيد من الجولات والضغوط والاختراقات الميدانية، وفقًا للمراقبين.